ترامب يُشهر "التعديل الثاني" بوجه بايدن.. الأسباب والدوافع

يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملته الدعائية والسياسية ضد خصمه جون بايدن، حيث بات "حق امتلاك السلاح" مادة أساسية في هذه الحملة، وذلك استناداً إلى "التعديل الثاني".. فما هو هذا التعديل؟ وما دوافع ترامب لتبني الدفاع عنه؟

  • "التعديل الثاني" من ضمن "وثيقة الحقوق" التي تم تقديمها في عام 1791

تكاد لا تخلو أي احتفالية انتخابية للرئيس الأميركي ومرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب، من ذكر "السلاح"، في سياق تبنيه الدفاع عن "حق الأميركيين" في حمل السلاح، حتى بات هذا الأمر أحد أهم البنود في حملته الانتخابية، التي يواجه بها مرشح الحزب الديمقراطي جون بايدن. 

ترامب الذي ترافقت ولايته الرئاسية مع أزمات اجتماعية أميركية داخلية، ارتبط اسمه خلال الأشهر الماضية بالعديد من الميليشيات المسلحة اليمينية المتطرفة، والتي ظهرت في فترة الاحتجاجات على مقتل الأميركي من ذوي البشرة السوداء جورج فلويد، إذ أن الرئيس الأميركي وجد في تلك الميليشيات تعزيزاً لسلطته، حتى وصل به الأمر للدفاع عنها وعن حقها في إظهار واستعراض قوتها في الشوارع الأميركية. 

في معظم خطاباته الانتخابية الأميركية تطرق ترامب إلى مسألة قانونية شائكة، معبراً عن دعمه لاقتناء الأميركيين للأسلحة. وفي كلمة له خلال مهرجان انتخابي بولاية أريزونا، الأربعاء، قال ترامب إن "​التصويت لبايدن يعني سلب الأميركيين حقهم في امتلاك السلاح". وسبق ذلك إشارته خلال فعالية انتخابية ثانية من بنسلفانيا في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2020، إلى أنه "الوحيد الذي يحول بين الأميركيين والفوضى، وبينهم وبين فقدان الحق في الحياة، وبينهم وبين خسارة التعديل الثاني في الدستور الأميركي، والذي يتيح حمل السلاح".

ترامب الذي توجه للأميركيين بالقول في أكثر من مناسبة إن الديمقراطيين "سوف يلغون التعديل الثاني الخاص بكم إذا فازوا"، يستند في دفاعه هذا عن "حق الأميركيين في حمل السلاح" إلى ما يعرف بـ"التعديل الثاني" في الدستور الأميركي. 

و"التعديل الثاني"، هو من ضمن "وثيقة الحقوق" التي تم تقديمها في عام 1791، أي بعد 3 سنوات من المصادقة على الدستور الأميركي. "وثيقة الحقوق" تلك تقدمت لتهدئة مخاوف "رافضي الفيدرالية" الذين عارضوا المصادقات الدستورية سابقاً، إذ أنها تحد من نفوذ الحكومة في القضاء وفي إجراءات أخرى، وتبقي على بعض النفوذ للولايات وللعامة، وتتألف من 10 بنود أو 10 تعديلات على الدستور. وفي التعديل الثاني يذكر أن "وجود مليشيات منظمة جيداً هو ضروري لأمن الدولة الحرة، إن حق الناس في الاحتفاظ وحمل الأسلحة لن يمس".

في المقابل فإن بايدن لم يتطرق بشكلٍ واضح وصريح إلى رغبة لديه أو لدى حزبه في إلغاء "التعديل الثاني"، بل اكتفى بالدعوة إلى "تعزيز سلطة الولايات بتنظيم إصدار تراخيص لعمليات شراء أسلحة نارية وحيازتها قانونياً"، بالإضافة إلى تنظيم حيازة الأسلحة النارية واستخدامها، مثل طلب إجراء "تدقيق بيانات المشترين، وسد الثغرات المتعلقة بالتدقيق في البيانات الشخصية وشراء الناس للأسلحة".

في المشهد يبدو ترامب خاصة والحزب الجمهوري عامة يتحركان في الدفاع عن "حق" الأميركيين بامتلاك السلاح، لكن في خلفية المشهد تظهر مجموعات الضغط الأميركية التي لها التأثير الأبرز في مجريات الانتخابات الأميركية، بين الكونغرس والرئاسة.

الدفاع الشرس لترامب عن "حق التسلح" يرتبط بشكلٍ أساسي بـ"الاتحاد القومي الأميركي للأسلحة" (رابطة البنادق)، وهي منظمة أميركية تدافع عن "حقوق حمل السلاح" في الولايات المتحدة، تأسست في سنة 1871 أي مباشرة بعد انتهاء الحرب الأهلية، ويقع مقرها في واشنطن، وتعتبر المنظمة الأكثر نفوذاً في الساحة الأميركية لجهة الضغط من أجل منع تمرير أي قانون يقيّد "حمل السلاح" أو إجراء أي تعديلات على "وثيقة الحقوق" في الكونغرس الأميركي، ومن ضمنها "التعديل الثاني"، حيث يجاهر مسؤولوها علناً برفضهم "أي قوانين جديدة تقيد حق امتلاك الأمريكيين للأسلحة النارية الفردية"، وتظهر قوة تلك المنظمة في فشل تمرير أي قانون من هذا النوع في الكونغرس الأميركي خلال السنوات الماضية.

ويستمد "الاتحاد القومي الأميركي للأسلحة" الذي تم تصنيفه على لائحة "المنظمات الإرهابية" في سان فرانسيسكو العام الماضي، يستمد قوته ونفوذه السياسييَن في المؤسسات الدستورية الأميركية، من خلال التأثير المالي والسياسي على كلا الحزبين في الولايات المتحدة، الديمقراطي والجمهوري، لضمان عدم تمرير الكونغرس حتى لتعديلات محدودة على "حق امتلاك السلاح". لكن تصدّر "الجمهوريين" لمشهد الدفاع عن "حق امتلاك السلاح" أكثر من "الديمقراطيين" وسعيهم الدائم لحماية هذا "الحق" دون أي تعديلات، بالإضافة إلى جعله أحد أهم ملفات حملة ترامب، يطرح علامات استفهام حول العلاقة بين "الاتحاد القومي الأميركي للأسلحة" والحزب الجمهوري بما يخص الانتخابات، بما أن "الاتحاد" يعتبر من مجموعات الضغط الأميركية.

في عام 2017 كشف الصحافي الأميركي بيتر ستون، أن "الاتحاد القومي الأميركي للأسلحة" أنفق أكثر بكثير من المبلغ المصرّح عنه في الانتخابات الرئاسية عام 2016. ستون وفي تقريرٍ، أكد أنه في انتخابات عام 2016، قدم "الاتحاد" 55 مليون دولار، منها 30 مليون دولار لدعم حملة الرئيس دونالد ترامب وحدها. وضاعف "الاتحاد" تقديماته للانتخابات الرئاسية في عام 2016 عن رقم عام 2012، 22 مليون دولار، وأكثر من أربعة أضعاف ما أنفقته في عامي 2008 و2004، في حين أن الحزب "الديمقراطي" لم يستفد إلا بنسبة 1 في المئة من الإنفاق السياسي المعلن للاتحاد.

وشكلت الإعلانات التلفزيونية جزءاً كبيراً من إنفاق "الاتحاد القومي الأميركي للأسلحة" في المسابقة الرئاسية لعام 2016، وتركزت بشكل كبير في أوهايو وبنسلفانيا ونورث كارولينا، وهي 3 ولايات ساعدت في قلب الانتخابات لصالح ترامب، وفقاً لبيانات من "مركز النزاهة العامة"، فيما يشير مراقبون للانتخابات إلى أن "الاتحاد" استغل ثغرة قانونية تسمح بعدم التبليغ عن بعض الأنشطة الانتخابية.

لعلّ تلك الأرقام والأموال المقدمة، وتأثيرها على مجريات الانتخابات الرئاسية الأميركية توضح العلاقة أو المصالح المشتركة بين "الاتحاد القومي الأميركي للأسلحة"، وبين الحزب الجمهوري وترامب على وجه التحديد الذي تبنى كامل خطابه في تمسكه بـ"التعديل الثاني"، واستخدامه كورقة انتخابية بوجه خصمه جو بايدن، لكن هناك أسباب اجتماعية أخرى تدفع ترامب إلى تبني موضوع "حق السلاح" لها علاقة بالمجتمع الأميركي واستهداف الناخب الأميركي، إذ أن الثقل الانتخابي للحزب الجمهوري يتواجد في المناطق الريفية حيث يعتبر حمل السلاح واقتناءه "ثقافة شعبية" تتداخل فيها عوامل ذات بعد تقليدي محافظ، تاريخية واجتماعية ودينية.

لا تأتي سجالات "حق امتلاك السلاح" ضمن البرامج الانتخابية للمرشحين، من خارج سياق المجتمع الأميركي، بل إنها تعبّر في العديد من جوانبها عن أولوية اجتماعية، لطالما ظهرت في الأزمات منذ تأسيس الولايات المتحدة. وبما أن "اليمين المتطرف" في أميركا يعتبر من أشد المدافعين عن هذا "الحق" فإن ترامب الذي دعم الميليشيات اليمينية في الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها الولايات المتحدة، يراهن على الموضوع، ليس فقط لحشد قاعدة انتخابية إلى جانبه، بل لخطوات قادمة يمكن أن يلجأ إليها في حال خسارته الانتخابات وهو إطلاق العنان لتلك الميليشيات التي تمتلك السلاح للدفاع عن سلطته، في حال قرر عدم قبول نتائج الانتخابات، لا سيما أنه لمّح في أكثر من مناسبة بأن الانتخابات ستكون مزوّرة في حال كانت نتيجتها فوز بايدن وبأنه "لن يقبلها".

ويمكن أن يكون دفاع ترامب عن "حق امتلاك السلاح" وتمسكه بـ"التعديل الثاني" كمقدمة ومبرر لأي ردة فعل لاحقة على نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، فيما تشهد البلاد اضطرابات أمنية واجتماعية غير مسبوقة منذ عقود. وآخر الدلائل على ذلك حادثة محاول اختطاف حاكمة ولاية ميتشيغان غريتشن ويتمير، واتهام الأخيرة ترامب بأنه "متواطئ في مؤامرة كانت ستطيح بها"، لا سيما وأن الرئيس الأميركي كان خاطب المحتجين على إغلاق الولاية بسبب كورونا، عبر تويتر بالقول: "حرروا ميشيغن!".

هذا في وقتٍ تشير البيانات الرسمية العالمية إلى كثافة مرعبة لحيازة الأميركيين أسلحة فردية، بمعدل "120 قطعة سلاح لكل 100 فرد"، ما يترجم إلى استحواذ الأميركيين على 47% من مجموع الأسلحة الفردية في العالم بأكمله.