"نيويورك تايمز": ترامب يبحث عن عدو محلي خطير لحرف ميول الناخبين

الحب الراديكالي فكرة رائعة يمكن أن تنجح في أميركا أيضاً. إنها الرد المثالي على سياسة الانقسام التي يتبعها ترامب، وهي الاستراتيجية الوحيدة التي لن يقلدها أبداً.

  • صورة من الاحتجاجات في أميركا التي اندلعت عقب مقتل
    صورة من الاحتجاجات في أميركا التي اندلعت عقب مقتل "جورج فلويد"

كتب توماس فريدمان في مقالته في صحيفة "نيويورك تايمز" يقول إن بعض الرؤساء، عندما يواجهون مشاكل قبل الانتخابات، يحاولون حرف المسار وإلهاء الجمهور عن طريق بدء حرب في الخارج ويبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب على استعداد للقيام بذلك عن طريق بدء حرب في الداخل. 

وتساءل فريدمان: كيف وصلنا إلى هنا؟ وأجاب: عندما يلخص المؤرخون نهج فريق ترامب في التعامل مع فيروس كورونا، فلن يستغرق الأمر سوى بضع فقرات، حيث سيقولون في تأريخهم للمرحلة:

"لقد تحدث فريق ترامب كما لو كانوا قد أغلقوا البلاد مثل الصين. لقد تصرفوا كما لو كانوا يسعون للحصول على مناعة قطيع مثل السويد. لم يعدوا لأي منهما وادعوا أنهم متفوقون على كليهما. في النهاية، حصلوا على أسوأ ما في العالم - انتشار الفيروس غير المنضبط وكارثة البطالة. ثم تحولت القصة إلى ظلام حقاً. مع انتشار الفيروس، اضطرت الشركات إلى الإغلاق مرة أخرى وشلّت المدارس والجامعات وأضحت حائرة فيما إذا كانت ستفتح أبوابها أو ستبقى مغلقة في الخريف، وتراجعت أرقام استطلاع ترامب. وتقدم جو بايدن بفارق 15 نقطة في استطلاع وطني وجهاً لوجه. لذا، في محاولة يائسة لإنقاذ حملته، تحول ترامب إلى الكتيب الرسمي لدكتاتور الشرق الأوسط ووجد ما كان يبحث عنه بالضبط، الفصل المعنون، "ماذا تفعل عندما يتحول شعبك ضدك؟" الجواب: اقلبهم ضد بعضهم البعض ثم قدم نفسك كمصدر وحيد للقانون والنظام".

هكذا تصور فريدمان كتابة المؤرخين لسلوك ترامب في هذه الفترة حيث بدأ في قمع المتظاهرين مستخدماً القوات الفدرالية، ومعززاً الانقسام الداخلي.

وقال الكاتب: "أنا لا أتسامح مطلقاً مع أي متظاهرين أميركيين يلجأون إلى العنف في أي مدينة أميركية، لأنه يلحق الضرر بالمنازل والشركات التي أصابها بالفعل فيروس كورونا - والعديد منها مملوك للأقليات - ولأن العنف سيتوقف فقط وسينفر الأغلبية المطلوبة لقيادة التغيير.

ولكن عندما سمعت ترامب يقول، كما فعل في المكتب البيضاوي يوم الاثنين، إنه سيرسل قوات اتحادية إلى المدن الأميركية، حيث لم يدعُه رؤساء البلديات، كانت أول كلمة ظهرت في رأسي هي "سوريا".

استمع إلى الكيفية التي صاغ بها ترامب: "سأفعل شيئاً - أستطيع أن أخبرك. لأننا لن نسمح لنيويورك وشيكاغو وفيلادلفيا وديترويت وبالتيمور وكل هذه - أوكلاند تعيش الفوضى. لن ندع هذا يحدث في بلادنا".

وشدد ترامب على أن هذه المدن "يديرها ديمقراطيون ليبراليون للغاية. كلهم يدارون، بحق، من قبل اليسار الراديكالي. إذا وصل (جو) بايدن (إلى الرئاسة)،.. ستذهب البلاد كلها إلى الجحيم. ولن ندعها تذهب إلى الجحيم".

وخلص فريدمان إلى سلوك ترامب وكلامه يأتي مباشرة من دليل دكتاتور الشرق الأوسط، إنه أمر مرعب.. ففي مدينة بورتلاند، بولاية أوريغون، رأينا القوات الفيدرالية العسكرية ترتدي ملابس القتال، ولكن لا توجد لهم علامات مميزة، ويعتقلون الناس ويضعونهم في عربات لا تحمل علامات. كيف يمكن أن يحدث هذا في أميركا؟".

وأضاف أن الاستبداديين الشعبويين - سواء كان رجب طيب أردوغان في تركيا، أو جاير بولسونارو في البرازيل، أو رودريغو دوتيرتي في الفلبين، أو فلاديمير بوتين في روسيا، أو فيكتور أوربان في المجر، أو ياروسلاف كاتشينسكي في بولندا، - "يفوزون من خلال تقسيم الناس وتقديم أنفسهم بصفتهم منقذين للمواطنين الصالحين والعاديين ضد عملاء التخريب و"التلوث الثقافي"، كما أوضح لاري دايموند من جامعة ستانفورد، وهو مؤلف كتاب "رياح سيئة: إنقاذ الديمقراطية من الغضب الروسي والطموح الصيني والرضا عن النفس الأميركي".

ورأى فريدمان أنه في مواجهة مثل هذا التهديد، يجب أن يكون اليسار ذكياً. توقفوا عن الدعوة إلى "إلغاء تمويل الشرطة" ثم القول أن "إلغاء التمويل" لا يعني الحل. إذا لم يكن يعني ذلك، فقولوا ما يعنيه: "الإصلاح". إلغاء تمويل الشرطة، ووصف ضباط الشرطة بـ"الخنازير"، والاستيلاء على أحياء بأكملها بالحواجز - هذه رسائل رهيبة، ناهيك عن الاستراتيجيات، يمكن استغلالها بسهولة من قبل ترامب.

المشهد الذي وصفه مراسل "نيويورك تايمز" مايك بيكر من بورتلاند في الساعات الأولى من يوم الثلاثاء - اليوم 54 من الاحتجاجات هناك - ليس جيداً حيث قال: "بعض قادة الجالية السوداء، الذين يشعرون بالامتنان لاعتمادهم على العرق، قلقون من أن تكون لحظة من أجل العدالة العرقية يمكن أن تبدد بالعنف. وقد تُركت الأعمال الداعمة للإصلاح وتراجعت معنوياتها بسبب الفوضى التي جلبتها الاحتجاجات. صباح الثلاثاء، قالت الشرطة إن محل مجوهرات آخر تعرض للنهب. وبينما بدا عملاء فيدراليون يحاولون اعتقال شخص واحد ، هرع آخرون في الحشد لإخلاء سبيله".

أظهر استطلاع جديد لصحيفة "واشنطن بوست" بالاشتراك مع قناة "إيه بي سي نيوز"، أن "غالبية الأميركيين يؤيدون حركة "حياة السود مهمة" Black Lives Matter ، وهناك نسبة قياسية 69٪ يقولون إن السود والأقليات الأخرى لا يعاملون على قدم المساواة مع البيض في نظام العدالة الجنائية. لكن الجمهور يعارض بشكل عام الدعوات لتحويل بعض تمويل الشرطة إلى الخدمات الاجتماعية أو إزالة تماثيل الجنرالات الكونفدراليين أو الرؤساء الذين استعبدوا الناس".

كل هذا العنف في الشوارع وخطاب وقف تمويل الشرطة يلعبان في إعلان ترامب الفعال الوحيد الذي رأيته على شاشة التلفزيون. الأمر على هذا النحو: يرن الهاتف ويبدأ التسجيل: "لقد وصلت إلى خط طوارئ الشرطة 911. نظراً لعدم تمويل قسم الشرطة، نأسف ولكن لا يوجد أحد هنا لتلقي مكالمتك. إذا كنت تتصل للإبلاغ عن اغتصاب، فالرجاء الضغط على رقم 1. للإبلاغ عن جريمة قتل، اضغط على رقم 2. للإبلاغ عن غزو المنزل، اضغط على رقم 3. لجميع الجرائم الأخرى، اترك اسمك ورقمك وسيقوم شخص ما بالرد عليك. وقت الانتظار المقدر حالياً خمسة أيام. وداعاً".

يحتاج المتظاهرون اليوم إلى الفوز على ترامب من خلال أخذ عبرة من زعيم أجنبي آخر - ليبرالي – هو إكرام إمام أوغلو، الذي تمكن من الفوز في انتخابات 2019 ليصبح عمدة اسطنبول، على الرغم من أن إردوغان غير الليبرالي استخدم كل خدعة قذرة ممكنة لسرقة الانتخابات. كانت استراتيجية حملة إمام أوغلو تسمى "الحب الراديكالي".

يعني الحب الراديكالي التواصل مع أنصار أردوغان الأكثر تقليدية وتديناً، والاستماع إليهم، وإظهار الاحترام لهم، وتوضيح أنهم ليسوا "العدو" - وأن إردوغان هو العدو، لأنه كان عدو الوحدة والاحترام المتبادل، ولا يمكن أن يكون هناك تقدم من دونهم.

وكما أشار مقال حديث عن استراتيجية إمام أوغلو في دورية الديمقراطية، The Journal of Democracy  ، فقد تغلب على إردوغان "برسالة الشمول، وموقف الاحترام تجاه مؤيدي [أردوغان] ، والتركيز على قضايا الخبز والزبدة التي يمكن أن توحّد الناخبين ضمن معسكرات سياسية معارضة. في 23 حزيران / يونيو، تم انتخاب إمام أوغلو مرة أخرى رئيساً لبلدية اسطنبول، ولكن هذه المرة بأكثر من 54 في المئة من الأصوات - وهي أكبر نسبة حصل عليها عمدة اسطنبول منذ عام 1984 – في مقابل 45 في المائة لخصمه".

وختم فريدمان بالقول إن "الحب الراديكالي فكرة باهرة. أراهن أن ذلك يمكن أن ينجح في أميركا أيضاً. إنها الرد المثالي على سياسة الانقسام التي يتبعها ترامب - وهي الاستراتيجية الوحيدة التي لن يقلدها أبداً".

ترجمة بتصرف: هيثم مزاحم

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً