"النصرة" انتهت لكنها أقوى من السابق

يجب ألا ينخدع أحد بهذه المناورة. جبهة النصرة ستبقى على الدرجة نفسها من الخطورة والتطرف. من خلال فك ارتباطها بالقاعدة فإن هذه المنظمة باتت أكثر وضوحاً في التعبير عن مقاربتها لسوريا والتي تسعى من خلالها للاندماج بالدينامية الثورية وتشجيع الوحدة بين الجماعات الاسلامية في مواجهة أعدائها القريبين والبعيدين.

انفصال النصرة ليست خسارة للقاعدة بل مكسب تكتيكي في مسعاها لإقامة الإمارة الاسلامية
قطع الخصم الرئيسي للدولة الإسلامية علاقاته بالقاعدة لكن لا يتوقعن أحد أن تصبح أهدافه الجهادية أكثر اعتدالاً. ما يقوم به الآن هو زرع فخ للولايات المتحدة الأميركية.

أعلن التنظيم الجهادي "جبهة النصرة" في 28 تموز/ يوليو فك ارتباطه بالقاعدة وإنشاء حركة جديدة في سوريا باسم "جبهة فتح الشام". الخطوة غير المسبوقة أيدتها بشكل رسمي القيادة العليا للقاعدة وتأتي في الوقت الذي كشف فيه التنظيم للمرة الأولى عن هوية قيادته.  

يجب ألا ينخدع أحد بهذه المناورة. جبهة النصرة ستبقى على الدرجة نفسها من الخطورة والتطرف. من خلال فك ارتباطها بالقاعدة فإن هذه المنظمة باتت أكثر وضوحاً في التعبير عن مقاربتها لسوريا والتي تسعى من خلالها للاندماج بالدينامية الثورية وتشجيع الوحدة بين الجماعات الاسلامية في مواجهة أعدائها القريبين والبعيدين. بهذا المعنى تختلف جبهة النصرة (الآن جبهة فتح الشام) عن تنظيم الدولة الإسلامية الذي عمل على الدوام لوحده في منافسة مباشرة مع الفصائل الإسلامية المسلحة الأخرى. بدل الوحدة فإن الدولة الاسلامية تسعى بشكل صريح للانقسام.

في نهاية المطاف، فإنه في الوقت الذي يتغير فيه تنظيم الجولاني لجهة الاسم والانتماء الرسمي فإنه لا يزال كما هو. لذلك فإن هذا الأمر لا يعني خسارة للقاعدة. في الواقع، إنه مجرد أحدث انعكاس للطريقة الجهادية الجديدة التي يحتمل أن تكون أكثر فاعلية بكثير والتي تقوم على العمل الجماعي والتدريجي والمرن بهدف تحقيق مكاسب تكتيكية متكررة تتحول يوماً ما إلى نصر استراتيجي من خلال إقامة الامارة الاسلامية بقبول ودعم شعبي كاف. 
ببساطة فإن القاعدة تنسق عملية فك ارتباط فرعها السوري عن قيادتها لصالح الحفاظ على جبهة النصرة وأهدافها الجهادية الاستراتيجية. فالعلاقات الايديولوجية بين القاعدة وجبهة فتح الشام لا تزال متينة.
هذا التطور الأخير يأتي في لحظة شديدة الحساسية حيث تبدو الولايات المتحدة وروسيا مصممتين على شن عمليات عسكرية ضد جبهة النصرة في سوريا. على الرغم من المحاولات المتكررة العلنية منها والسرية لتشجيع الجماعات المعارضة على الانسحاب من المناطق التي تتواجد فيها النصرة في سوريا فإن غالبية الجماعات المتمردة لم تغير مناطق انتشارها. بالنسبة للكثير من السوريين فإنه ينظر إلى الانسحاب من الجبهات الأمامية على أنه بمثابة خيانة لخمس سنوات من الدم المبذول من أجل ضمان مكاسب عسكرية. بالنسبة للبعض فإن الأمر قد يعني أيضاً خيانة مجموعة مسلحة هي جبهة النصرة التي خاضت القتال إلى جانبهم باستمرار وبشكل فعال منذ 2012.
من خلال قطع علاقاتها مع القاعدة تؤكد جبهة النصرة أنها ستبقى متجذرة في الجبهات الأمامية للمعارضة خصوصاً في محافظتي حلب وإدلب. وبالتالي فإن أي غارات من قبل الدول الأجنبية تستهدف التنظيم ستسفر بشكل مؤكد عن سقوط قتلى في صفوف الجماعات المعارضة الأخرى وسينظر إليها على أنها معادية للثورة.
ويرى السوريون المعارضون من مسلحين ومدنيين أنه بإبعاد جبهة النصرة عن القاعدة فإن مهمة إبعاد أبنائهم وإخوتهم عن التنظيم الجهادي أكثر سهولة حيث يأملون أن تفقد هيكليته الداخلية بعضاً من مرونتها بحيث يصبح الانضمام إلى الجماعات المعارضة الأخرى احتمالاً أكثر جاذبية.
على الرغم من كون الكثير من السوريين لا يزالون قلقين من الاسس المتطرفة التي قامت عليها جبهة فتح الشام فإن حقيقة أن التنظيم قام بما يعتبره كثيرون بمثابة تنازل كبير تضعه في موقع متقدم. وسواء قيل ذلك بشكل علني أو لا فإن جزءاً معتبراً من المعارضة السورية ستنظر إلى الأمر على أنه خطوة إيجابية وخطوة تلاقي دعوة الجولاني للوحدة. وبالتالي فإن جبهة فتح الشام ستسعى الآن لتكثيف دعواتها القديمة للاندماج والتحالفات العسكرية في المناطق الرئيسية في البلاد.  
إحدى النتائج المحتملة والأكثر أهمية لهذا التطور الأخير هي اندماج جبهة فتح الشام مع أحرار الشام. مع ذلك لا يزال هذا الأمر بعيداً نظراً للعقبات التنظيمية والهيكلية.
ما هو أكثر احتمالاً في المدى القريب زيادة في التحالفات الخاصة بكل منطقة، حيث ستسعى جماعات مسلحة متعددة لدمج قياداتها العسكرية بهدف مواجهة خصومهم في الميدان بفعالية أكبر. ويرجح أن يشكل تحالف المتمردين الحالي في إدلب وحلب وتحديداً جيش الفتح الأساس لمثل هذه المبادرات لتوحيد الصفوف عسكرياً.
من خلال تعبيد الطريق أمام مثل هذه الديناميكية وضع الجولاني المجموعات الاكثر اعتدالاً في الجيش الحر أمام خيارين إما الوحدة العسكرية والثورية أو العزلة والخضوع.    
إن هدف النصرة بسيط إذ إنها تسعى لتأمين غطاء من الشرعية في سوريا بما يشكل أهمية ملحة لتبرير إقامة إمارة إسلامية في المستقبل.

في الوقت الذي تواصل فيه جبهة النصرة لعبتها الطويلة في سوريا فإنها تشكل تحدياً هاماً للمجتمع الدولي. لعل الأهم من ذلك أن التطور الأخير من شأنه أن يدفع بالدول الإقليمية تحديداً قطر وتركيا إلى محاولة تقديم الدعم المادي المباشر للمجموعة. ومن المرجح أن تقوم تركيا على وجه الخصوص بتبرير ذلك من خلال القول إن النصرة قطعت علاقاتها بالقاعدة وبالتالي يمكن لجبهة فتح الشام أن تكون شريكاً شرعياً في مواجهة داعش تماماً كما هي قوات سوريا الديمقراطية الكردية الحليف المفضل لدى واشنطن.

في ظل هذا المأزق، فإن العمل العسكري الدولي ضد جبهة النصرة يبدو أمراً حتمياً. في الوقت نفسه فإن عواقبه تبدو مثيرة للقلق. في نهاية المطاف فإن هناك مخاطر من انجرار ما تبقى من التيار الرئيسي للمعارضة باتجاه التصعيد الدولي الذي تغذيه الرغبة في قتال القاعدة مع تقدير غير كاف لتعقيدات الديناميات السورية الأوسع.