تصدير الثورة.. النسخة الأميركية

إن فيلم "الساموراي الأخير"، الذي يذكِّر اسمه، وهذا ليس بالصدفة، باسم الكتاب المعروف لجميس فينيمور كوبر، لم يبقَ دائماً متمسكاً بالحقيقة التاريخية. ومع ذلك، هو يشير إلى العلاقة بين العنف الهائل الممارس ضد الداخل وبين العنف المشابه الموجه ضد الخارج. وأكثر من ذلك فإن الفيلم يحفّز التفكير حول الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأميركية، الدولة العظمى العالمية، ليس فقط في القسم الثاني من القرن التاسع عشر، عندما فُتحت لها أبواب اليابان، بل أيضاً في الوقت القريب منا في العصر الراهن.

مثلما هو حال أعداء الكابتن ألغرين فإن الساموراي يمثلون ثقافة غنية

خرج فيلم "الساموراي الأخير" إلى دور العرض 2003، وهي السنة التي احتلت فيها الولايات المتحدة الأميركية العراق. وقد لعب توم كروز دور الكابتن نيثن ألغرين، وهو ضابط أميركي اشتهر بنضاله ضد المواطنين الأميركيين الأصليين. ووصل ألغرين إلى اليابان في سبعينيات القرن التاسع عشر وذلك كمستشار عسكري مهمته تقديم العون للسلطات المحلية في قمع ثورة الساموراي التي كانت تعصف بالبلاد حينها.

 

ومثلما هو حال أعداء الكابتن ألغرين، فإن الساموراي يمثلون ثقافة غنية، ذات تاريخ طويل، وتحتل فيها قيم مثل الشرف والولاء والجماليات مكاناً رئيسياً. هذه الثقافة هي التي تواجه الآن التصفية من قبل الجيش الياباني، الذي يتلقى تدريبه على يد ضباط وجنود أميركيين، وهو مسلح بأحدث ما انتجته صناعة السلاح الأمريكية المتطورة.

 

إن إحدى النتائج المستخلصة من هذا الفيلم هي أن القضاء الممنهج على إحدى الفئات الاجتماعية، مثل الأميركيين الأصليين، قد عبَّد الطريق أمام القضاء على فئات اجتماعية أخرى، وفي هذه الحالة فئة الساموراي في اليابان. والنجاح الذي حققته الولايات المتحدة الأميركية في الإبادة الجماعية ضد شعب داخلها إنما اُستخدام كمقدمة فقط، ويمكن القول حتى كذريعة، لتنفيذ جرائم مشابهة وراء البحار، بدعم مباشر أو غير مباشر.

 

إلا أن الكابتن ألغرين، التي باتت الجرائم التي ارتكبها ضد الأميركيين الأصليين تطرد النوم من عينيه، يرفض القيام بما هو ملقى على عاتقه في مسلسل الدم. وبعد أن تم أسره في إحدى المعارك مع الثوار الساموراي تم اقتياده إلى قريتهم وبدأ يتبنى عاداتهم بالتدريج. وفي هذه الأثناء وجد أيضاً الراحة لنفسه المعذبة. وحتى أنه هب لاحقاً لتقديم العون للساموراي في إحدى المعارك الحاسمة التي يخوضها الشعب ضد الجيش الياباني، المسلح بوسائل الحرب الأميركية، ويعرض حياته للخطر من أجلهم.

 

وفي نهاية ذلك اليوم نجح الكابتن ألغرين، وهو أحد الناجين القلة من المعركة، نجح في إقناع القيصر الياباني برفض الإملاءات الأميركية. إلا أنه كان من الواضح أن هذا هو انتصار مؤقت: إذ أنه لم يمر وقت طويل حتى بدأت اليابان المتشربة بالروح العسكرية بشن حملة لاحتلال شرق آسيا، وهي الحملة التي ترافقت مع الاستغلال والعبودية وسفك الدماء بدرجة كبيرة جداً. وحتى أن الولايات المتحدة الأميركية، القوة الصاعدة، لم تصمت على ذلك.

 

إن فيلم "الساموراي الأخير"، الذي يذكِّر اسمه، وهذا ليس بالصدفة، باسم الكتاب المعروف لجميس فينيمور كوبر، لم يبقَ دائماً متمسكاً بالحقيقة التاريخية. ومع ذلك، هو يشير إلى العلاقة بين العنف الهائل الممارس ضد الداخل وبين العنف المشابه الموجه ضد الخارج (وقد أشارت حنا ارندت في كتابها "أصول الاستبداد" إلى علاقة كهذه، وإن كان ذلك في الاتجاه المعاكس). وأكثر من ذلك فإن الفيلم يحفّز التفكير حول الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأميركية، الدولة العظمى العالمية، ليس فقط في القسم الثاني من القرن التاسع عشر، عندما فُتحت لها أبواب اليابان، بل أيضاً في الوقت القريب منا في العصر الراهن.

 

من جانب يتفاخر زعماء الولايات المتحدة الأميركية بأنهم يصدّرون "نمط الحياة الأميركية"، وفي المقدمة منها قيم الحرية والديمقراطية، إلى بقية العالم، بما في ذلك إلى دول الشرق الأوسط، وأن دولتهم هي النموذج الذي يُحتذى لهذه القيم.

 

ومن جانب آخر تقوم الولايات المتحدة الأميركية بتزويد حلفائها في كافة أنحاء العالم بأفضل أنواع الأسلحة التي تنتجها، وهذه الأسلحة لا تستخدم دائماً لتحصين هذه القيم النبيلة. ومن ذلك، على سبيل المثال، إنه وفقاً لأحد مراكز الأبحاث الهامة في استوكهولم فإن الولايات المتحدة الأميركية كانت مصدرة السلاح الأكبر في العالم في الفترة 2014 - 2016 وشكلت صادراتها من الأسلحة ثلث مجمل تصدير الأسلحة في العالم خلال هذه الفترة، حيث وصلت نصف هذه الكمية من الأسلحة إلى الشرق الأوسط. وقد اُشير كنموذج إلى الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنطقة مؤخراً وأعلن خلالها عن خطته لبيع السعودية – التي كانت المستهلك الثاني للأسلحة في العالم خلال الفترة عينها - أسلحة بقيمة 110مليار دولار. وهذا على الرغم من التدخل السعودي المستمر في الحرب الأهلية في اليمن، ناهيك عن الانتهاكات الشديدة لحقوق الإنسان في السعودية نفسها.

 

وكما هو حال اليابان في فترة 1870، فإن الولايات المتحدة الأميركية تقدم في العصر الراهن أيضاً دعمها العسكري الواسع لدول المنطقة وذلك على أنه تعاون تقتضيه المصالح المشروعة للدفاع والأمن. إلا أن مصطلحات مثل "الدفاع عن النفس" و "التحديات الأمنية" تخضع، بطبيعة الحال، لتفسيرات واسعة، والأسلحة المقدمة إلى دول المنطقة يمكن أن توجه باتجاه المعارضة الداخلية وليس فقط ضد الأعداد الخارجيين. وقد قال أحد الباحثين الذي تمت دعوته قبل عدة سنوات إلى لقاء في وزارة الداخلية في القاهرة، قال لي إنه رأي دبابة "أبرامز" – وهي دبابة القتال الرئيسية في الجيش الأميركي، والتي تم تجميعها في مرحلة معينة في مصر أيضاً – وقد تمركزت في الفناء الداخلي للمبنى، وذلك على طريقة "ليشاهدوا حتى يخافوا". وهناك نماذج أخرى للاستخدامات "مزدوجة الهدف" من هذا القبيل.

 

وعليه فإن "نمط العيش الأميركي" ليس فقط تصدير الحرية والديمقراطية بل تصدير العنف أيضاً، وهذه الحقيقة ليست جديدة، وهي لا تسِم الولايات المتحدة الأميركية فقط. فالتصدير الأمني لإسرائيل، والتي هي عميل (زبون) للولايات المتحدة الأميركية وتتأثر بها في الكثير من الأمور، وصل إلى 6.5 مليار دولار في العام المنصرم، بزيادة بلغت 14% مقارنة مع العام الفائت. كما أن هناك في إسرائيل من يشيرون إلى علاقة وثيقة بين العنف الذي تنفذه إسرائيل في الداخل، وبشكل خاص في سياق النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، وبين السلاح والخبرة العسكرية الأخرى التي تصدرها إلى الخارج والعنف والقتل اللذَيْن يتسبب بهما هناك. إلا أنه وباستثناء بعض الأصوات المتفرقة لا يوجد من يطعن بأخلاقيات هذه الصناعة المربحة. ومن هذه الناحية يضم فيلم "الساموراي الأخير" بين طياته رسالة هامة للمشاهدين وللمشاهدات في إسرائيل أيضاً.

 

ترجمة: مرعي حطيني

المصدر: "منتدى التفكير الإقليمي" - إسرائيل

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً