هل كشف نتنياهو عن "سر" أمني؟

قبل أيام عدة، تطرق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى حادث كانت الرقابة العسكرية قد منعت نشره. ومن بين ما قاله نتنياهو إنه "قبل زمن ليس ببعيد قام عناصر داعش بإطلاق (صاروخ) باتجاه طائرة عامودية تابعة لنا خلال عملية تسلل بري، حيث دخلوا إلى أرضنا وقمنا بالقضاء عليهم، لقد واجهنا تجمعاً إرهابياً تابعاً لداعش وأوقفناه". لقد قال نتنياهو "قبل زمن ليس ببعيد". إلا أن الحقيقة مختلفة قليلاً. فرئيس الحكومة كان يقصد الحادثة التي وقعت على الحدود مع مصر في شهر آب/ أغسطس 2011.

نتنياهو كان يقصد حادثة الحدود المصرية الإسرائيلية عام 2011
قبل أيام عدة، عندما وصل لتهنئة أعضاء الليكود بمناسبة رأس السنة (العبرية)، تطرق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى حادث كانت الرقابة العسكرية قد منعت نشره. ومن بين ما قاله نتنياهو في شريط فيديو قصير نُشر على يوتيوب، وهو لايزال متاحاً إلى الآن لكل من يريد رؤيته، إنه "قبل زمن ليس ببعيد قام عناصر داعش بإطلاق (صاروخ) باتجاه طائرة عامودية تابعة لنا خلال عملية تسلل بري، حيث دخلوا إلى أرضنا وقمنا بالقضاء عليهم، لقد واجهنا تجمعاً إرهابياً تابعاً لداعش وأوقفناه".  

لقد قال نتنياهو "قبل زمن ليس ببعيد". إلا أن الحقيقة مختلفة قليلاً. فوفق ما تم استيضاحه فإن رئيس الحكومة كان يقصد الحادثة التي وقعت على الطريق رقم 12 (الحدود مع مصر قبل الوصول إلى إيلات) في شهر آب/ أغسطس 2011، وذلك عندما توغلت قوة من الإرهابيين من سيناء في نقاط عدة واشتبكت لساعات مع قوات الجيش الإسرائيلي. حيث هاجم الإرهابيون حافلتين وسيارتين خاصتين كانت تسير على الطريق. وقتلوا ستة مدنيين وجندياً إسرائيلياً وأحد عناصر الوحدة الخاصة لمحاربة الإرهاب التابعة للشرطة الإسرائيلية (يَمّام). كما قُتل أثناء تبادل إطلاق النار خمسة جنود مصريين، بالإضافة إلى سبعة مخربين. كذلك قام المخربون أثناء الاشتباكات بإطلاق صاروخ، لم يكن من الواضح إذا ما كان مضاداً للدبابات أو مضاداً للطائرات، باتجاه طائرة عامودية تابعة للجيش الإسرائيلي. وفقط من حسن الحظ أخطأ الصاروخ الهدف.  

يتعزز الانطباع بأن نتنياهو كان يتحدث عن حادث قديم وذلك لأنه تحدث في السياق عن بناء السور على الحدود مع مصر وذلك بوصفه عاملاً مهماً في منع عمليات التسلل من سيناء (بما في ذلك في وجه الباحثين عن العمل والمهاجرين من أفريقيا). وفي ذلك الوقت لم يكن قد تم إنشاء السور بعد، حيث سرع الحادث عملية اتخاذ القرار من جانب نتنياهو وحكومته لبنائه.  

إلى الآن تقول الحقائق إن رئيس الحكومة قد سقط في خطأين بسيطين: فهو قد قال "قبل زمن ليس ببعيد"، إلا أن الحادث الذي تحدث عنه جرى قبل أكثر من خمس سنوات. ووفق المصطلحات الإسرائيلية، والتغييرات السريعة في الأمن الجاري على امتداد الحدود، فإن خمس سنوات هي زمن طويل جداً. لقد كانت هذه زلة لسان صغيرة لنتنياهو، أو أنه لم يستطع أن يحدد بشكل كافٍ الإطار الزمني، وبذلك ظهر الانطباع لدى الرقابة العسكرية بأنه يقصد حادثة وقعت مؤخراً. 

الخطأ البسيط الثاني الذي عزز هذا الانطباع يكمن في حقيقة أن نتنياهو قد تحدث عن داعش. إلا أن من نفذ الهجوم قبل خمس سنوات، وحسب ما اتضح من التحقيق الذي أجراه الجيش الإسرائيلي، كانوا إرهابيين سلفيين من سيناء، كانوا محسوبين على القاعدة. وهم قد جرى تدريبهم وإرسالهم للمهمة من قبل "اللجان الشعبية" في غزة، بمعرفة حماس أو بغض الطرف من قبلها. وقد جاء الرد الإسرائيلي (حينها) بما ينسجم مع ذلك وتمت مهاجمة غزة. وقبل أكثر من عامين فقط تركت هذه الجماعة القاعدة وأعلنت الولاء لداعش ولزعيمها أبو بكر البغدادي. 

إلا أن كل ذلك لم يكن ليبرر سلوك الرقابة العسكرية. ويبدو أن كبار مسؤوليها قد أصيبوا بالدوار ولم يؤدوا عملهم. ومثلما هو الحال في منعكس بافلوف (الرد الغريزي) فإنهم سارعوا إلى حظر نشر الخبر. ولو أنهم كانوا قد قاموا بالتقصي حول الموضوع قليلاً، مع مكتب رئيس الحكومة، ولو أنهم استمعوا إلى شريط الفيديو أو قرأوا ما قيل فيه، لكانوا قد سمحوا بنشره مع إظهار التحفظ أو وضع ملاحظة تقول إن الحديث يدور عن حادث قديم تم التطرق إليه بالكثير من التوسع. وإذا اتضح، رغم ذلك، أن رئيس الحكومة كان يقصد حادثاً جديداً، فقد كان يجب على الرقابة العسكرية عندها ألاّ تحظر نشره. 

لقد قامت الرقابة العسكرية بفعلها هذا بزيادة حجم الشائعات، وكأن رئيس الحكومة قد وقع في زلة مرة أخرى وكشف عن سر أمني، وأن الرقابة العسكرية تقوم بالدفاع عنه لأسباب سياسية (داخلية) لا تقع في إطار صلاحياتها، وهم يتصرفون كمن يقوم بإغلاق باب الإسطبل بعد أن هربت الأحصنة منه، وحجبوا عن الجمهور في إسرائيل الحق في سماع أقوال رئيس الحكومة. 

صحيح أن العلاقات الأمنية مع مصر حساسة جداً، إلا أن جزءاً منها جرى الكشف عنه في وسائل الإعلام الدولية، وغيرها. وقبل أسبوعين فقط تحدث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه مع الزعماء اليهود في نيويورك، وأثنى على هذه العلاقات. وقد نقلت وكالة الأنباء "بلومبرغ" عن مصدر إسرائيلي قوله، قبل أسابيع عدة، إن الطائرات الإسرائيلية تشارك ، بين الحين والآخر، في توجيه ضربات لأهداف إرهابية في سيناء وذلك بالتنسيق مع الجيش المصري الذي يقاتل ضدها. وكانت الدورية الفرنسية "انتلجنس أون لاين" قد نشرت خلال العالم الأخير أخباراً تفيد بأن الاستخبارات الإسرائيلية – الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية - تساعد الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا في جمع المعلومات الاستخبارية لصالح الجهد العسكري المصري.


ترجمة مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً