على أبواب كونفدرالية فلسطينية؟

إن الخطوات الأخيرة لتحقيق الوحدة الداخلية الفلسطينية تتأتى من اعتبارات المنفعة. فحماس بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، للالتقاء مع السلطة وذلك بسبب سياسة الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة والذي من شأنه أن يؤدي إلى انهيار قاعدة الحكم التي تقوم عليها الحركة. كما أن القيادة الفلسطينية في رام الله تعاني هي أيضاً من ضائقة بسبب فقدانها القدرة على دفع عملية سياسية جدية، وبسبب ارتباطها بالتعاون مع إسرائيل، وهو الأمر الذي يخدم مصالح النخبة السياسية وليس مصلحة الجيل الشاب في الأراضي (الفلسطينية).

جدول الأعمال الفلسطيني الآخذ في التشكل لن ينجح في إخفاء الفوارق بين الضفة والقطاع

لقد تم الحديث كثيراً، وسيتواصل هذا الحديث، حول التطورات الأخيرة التي شهدتها العلاقات بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وبين حركة حماس في قطاع غزة. وليست هذه هي المرة الأولى التي يتوصل فيها الطرفان إلى جملة من التفاهمات حول ضرورة التعاون وذلك على الرغم من الخصومة السياسية القائمة بينهما.

 

لقد بدأت الخصومة السياسية بين السلطة السياسية وبين حماس قبل وقت طويل من سيطرة الأخيرة بالقوة على القطاع في 2007 وطرد السلطة الفلسطينية وفتح، حزب السلطة، من هناك. ومنذ ذلك الوقت استقرت الساحة الفلسطينية على النموذج ثنائي الرأس، إذ أدارت حماس والسلطة منظومتي حكم منفصلتين تداران انطلاقاً من مصالح متباينة فكرياً وسياسياً. واستناداً إلى هذا الانقسام الجيو سياسي بين الضفة وغزة ظهرت منظومة علاقات مختلفة مع إسرائيل. وبما أن إسرائيل كانت تسعى إلى إفراغ العملية السياسية من محتواها وقضم فكرة الدولتين فإنها قد استفادت بشكل كبير من هذا الانقسام الفلسطيني.  

 

لم يستند الانقسام الفلسطيني على التوتر السياسي وحسب، بل استند أيضاً إلى التفاوت الاجتماعي بين الضفة والقطاع. ومع ذلك لم تستسلم السلطة وحماس إلى الاخفاقات التي شهدتها جهود المصالحة وهو الأمر الذي يؤكد نقاط التلاقي بين شقي الساحة السياسية الفلسطينية. وصحيح أن قسماً من المحاولات، وبخاصة تلك التي جرت في أعقاب الربيع العربي في شتاء 2010، قد جاء انطلاقاً من مصالح سياسية خاصة بالقيادتين في الضفة وغزة اللتين سعتا لضمان بقائهما في عصر الاحتجاجات الشعبية ضد النخب الحاكمة، إلا أن الحوار السياسي بينهما استند طيلة الوقت إلى قاسم مشترك من المشاعر الجماعية والوطنية بين السكان في الضفة والقطاع.     

 

وكذلك الحال، فإن الخطوات الأخيرة لتحقيق الوحدة الداخلية الفلسطينية تتأتى من اعتبارات المنفعة. فحماس بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، للالتقاء مع السلطة وذلك بسبب سياسة الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة والذي من شأنه أن يؤدي إلى انهيار قاعدة الحكم التي تقوم عليها الحركة. كما أن القيادة الفلسطينية في رام الله تعاني هي أيضاً من ضائقة بسبب فقدانها القدرة على دفع عملية سياسية جدية، وبسبب ارتباطها بالتعاون مع إسرائيل، وهو الأمر الذي يخدم مصالح النخبة السياسية وليس مصلحة الجيل الشاب في الأراضي (الفلسطينية).   

 

ومع ذلك فإن الخطوة الراهنة على صعيد التعاون السياسي تضم بين طياتها دلالات أعمق مما هو عليه الحال في النقاش العام الجاري. إذ أن هناك فرصة لكي يتحول استعداد حماس والسلطة للتوصل إلى تفاهمات وترجمتها إلى التزامات، وحتى وإن كانت رمزية في هذه المرحلة، إلى حجر الزاوية للنموذج السياسي الفلسطيني الجديد الذي يعتمد على ما يمكن أن يُسمى "وحدة الفُرقة".     

 

وجدول الأعمال الفلسطيني الآخذ في التشكل لن ينجح في إخفاء الفوارق بين الضفة والقطاع، كما أنه لن يلغي التناقضات الاجتماعية-الاقتصادية بين المنطقتين. كما أنه لن يكون في وسعه رأب الصدع السياسي بين القيادتين الفلسطينيتين التي تهتم كل منهما، قبل كل شيء، ببقاء حكمها في الضفة، من جهة، وفي غزة، من الجهة الثانية. إلا أنه في موازاة هذه الفجوات والفوارق يتم، بما يشبه السداة واللحمة، بناء نماذج لوحدة الصف والتعاون على الساحة الفلسطينية. ويمكن أن يكون لذلك تجليات سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤسساتية ووطنية، التي ستجعل من المنظومات الفلسطينية المنقسمة في الضفة وفي القطاع منظومة مشتركة واحدة. 

 

وعليه فإن هناك احتمالاً أن تكون الساحة السياسية الفلسطينية تستعد من جديد للدخول في نموذج سياسي فكري يستند إلى "وحدة المتناقضات". وستقوم البنية الجديدة على الربط، غير الممكن ظاهرياً، بين القطبين الفلسطينيين الصقريين، وهو ما يشكل نوعاً من الكونفدرالية الفلسطينية. وفي واقع يفتقد إلى الأفق السياسي لا يشكل هذا النموذج خياراً مناسباً، أكثر من أي وقت مضى، بالنسبة للسلطة ولحماس، بل من ِشأنه أن يشكل حجر الزاوية لإستراتيجية جديدة تُمكِّن المنظومة الفلسطينية المنقسمة من إعادة صياغة نفسها من جديد في عصر الضبابية السياسية.  

 

إن الأقوال الصريحة التي أدلى بها محمد دحلان مؤخراً، ومن قبله أبو مازن، عن إغلاق نافذة الفرص السياسية والاحتمال الضعيف لتطبيق فكرة الدولتين، هذه الأقوال تعزز الفكرة التي تقول إنه يمكن للمصالحة الحالية بين السلطة الفلسطينية وبين حماس أن تكون نواة النظام السياسي - الفكري الجديد. وسيكون جدول الأعمال الفلسطيني الجديد داخلي في معظمه، وهو سيحل محل المسيرة السياسية التي قادتها السلطة منذ منتصف التسعينات، ومحل المقاومة العنيفة التي قادتها حماس، في موازاة ذلك، بشكل أكبر من قطاع غزة خلال العقد الأخير.

 

هذا وسيكون للنظام السياسي الفلسطيني الجديد تداعيات أيضاً على منظومة العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية. فالإطار السياسي الذي يقوم على الوحدة والتعاون والذي قد لا يكون بوسعه إخفاء الفوارق، وحتى التوترات، قد يكون مناسباً أيضاً لنموذج بديل للعلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية. وقد يتم استبدال الحلول المطلقة من نمط الفصل الكامل (حل الدولتين) أو الوحدة الكاملة (الدولة الواحدة) بنماذج أخرى واقعية لا تضع حلاً للصراع من جذوره ولكنها ستبدد التوتر الموجود فيه. والنموذج الكونفدرالي الإسرائيلي-الفلسطيني، الذي سيكون مستنداً إلى الشراكة بين الخصوم وإلى تجميد الواقع الجيو سياسي، يمكن أن يكون أحد تلك النماذج البديلة. 

 

وانطلاقاً من هذه الرؤية يمكن للتطورات الراهنة على الساحة السياسية الفلسطينية ألا تعبر فقط عن مستقبلها هي، بل أيضاً عن صورة المنظومة الإسرائيلية-الفلسطينية على مدى العقود القادمة. وربما تعكس الردود الإسرائيلية المتلعثمة حيال الخطوة الفلسطينية تباشير الاعتراف بجدوى التسويات المشوهة، لكنها عملية، والتي تعتمد على المساكنة بين التوترات لا على حلها.  

 

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً