تحذيرات من سباق تسلح نووي بين موسكو وواشنطن... من بدأ؟

سباق تسلح نووي جديد تحت عنوان "الردع والتحديث"، ذريعة الولايات المتحدة أن روسيا تعمل بالفعل على تحديث قواتها، وإطلاق العنان لسباق تسلح غير استراتيجي أيضاً. بينما ترى موسكو أن كل الاتهامات الأميركية ما هي إلا فزاعة لنشر مزيد من القوات على حدود روسيا.

  • جميع المعطيات العملية والتي تم اثباتها لاحقاً، برهنت أن الولايات المتحدة تذهب باتجاه سباق التسلح أولاً
    جميع المعطيات العملية والتي تم اثباتها لاحقاً برهنت أن الولايات المتحدة تذهب باتجاه سباق التسلح أولاً

أعلن مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأميركية أن الولايات المتحدة بدأت بتحديث قواتها النووية، "رداً على الإجراءات المماثلة من جانب روسيا"، وأنها تخطط لإكمال هذا البرنامج بحلول عام 2030.

وقال نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي، روبرت سوفر، خلال ندوة أمنية أمس الجمعة، إنه "من الواضح أن روسيا تعمل بالفعل على تحديث قواتها، بينما لم نشرع نحن في ذلك بعد. بالتالي، لا يمكن القول إن برامجنا النووية هي التي أدت إلى تحديثهم النووي. تحديثهم جاء أولاً".

وحسب المسؤول الأميركي، فإن الولايات المتحدة حالياً بصدد الانتقال من مرحلة صياغة المفاهيم والتصميم إلى مرحلة الهندسة والتصنيع، مما سيسمح باقتناء هذه الأنظمة فعلياً، متوقعاً أن تشهد كل من روسيا والصين "القوة الكاملة لتحديثنا النووي بحلول عام 2030 تقريباً".

واتهم سوفر روسيا بإطلاق العنان لسباق تسلح نووي غير استراتيجي أيضاً.

والتصريحات بشان وجود "التهديد الروسي" تصدر بين حين وآخر عن العواصم الغربية، لا سيما بولندا ودول البلطيق، رغم أن موسكو أكدت مراراً أنها لا تنوي الاعتداء على أي من دول الناتو.

وسبق أن أشار وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى أن حلف الناتو يعرف ذلك تماماً، لكنه يتخذ فزاعة "التهديد الروسي" ذريعة لنشر مزيد من القوات على حدود روسيا، الأمر الذي يثير قلق موسكو.

ومن جهته، أعلن السفير الروسي لدى الولايات المتحدة أناتولي أنطونوف، أن نشر الولايات المتحدة رؤوساً نووية ذات طاقة منخفضة، يزعزع استقرار الردع النووي العالمي وليس الإجراءات الروسية.

في منتصف شهر آب/ اغسطس عام 2019، أعلنت الولايات المتحدة عن تجربة على صاروخ تقليدي متوسط المدى، وهو ما بات ممكناً بعد انسحابها من معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى.

وبالتزامن، كلف الرئيس الروسي وزارتي الدفاع والخارجية دراسة مستوى التهديد الناجم عن التجارب الأميركية، واتخاذ الخطوات الضرورية للرد بالمثل، مشدداً على رفض روسيا الانجرار إلى سباق تسلح ينهك اقتصادها، لكنه أكد أنها لن تتوانى عن اتخاذ الخطوات الضرورية لحماية أمنها.

ولاحقاً، قال نائب السفير الروسي لدى الأمم المتحدة، ديمتري بوليانسكي، أنه بسبب الطموحات الأميركية الجيوسياسية، أصبح الجميع على بعد خطوة واحدة من سباق تسلح خارج السيطرة أو إمكانية التنظيم بأي طريقة، معرباً عن قلق بالغ إزاء هذا الاحتمال، لافتاً إلى أن الأميركيين ربما لا يشعرون بهذا القلق.

مطلع العام الحالي، بدأت الولايات المتحدة بإنتاج الرؤوس الحربية النووية منخفضة الطاقة، ونقلت وكالة "بيزنس إنسايدر" الأميركية عن إدارة الأمن النووي الوطنية الأميركية، قولها إن "الرؤوس الحربية الجديدة ستدخل الخدمة بنهاية العام الحالي"، وذلك على رغم معارضة أنصار حظر الأسلحة النووية، وعدد من الديمقراطيين في الكونغرس لإنتاج مثل هذا النوع من الرؤوس النووية.

إعلان البنتاغون بأن الرؤوس النووية الجديدة لا تعزز مخزون الولايات المتحدة النووي، ولا تضرب اتفاقية عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل أمر بعيد عن الواقع، فأي سلاح نووي جديد هو تعزيز للمخزون النووي، وهو ما سيدعو الدول النووية الأخرى لإنتاج ذات السلاح، ما سيؤدي حتماً إلى سباق تسلح نووي جديد يضرب كافة الاتفاقات المبرمة بين أميركا وروسيا.

الاتهامات الأميركية لروسيا متضاربة وغير متينة، فجميع المعطيات العملية والتي تم اثباتها لاحقاً برهنت أن الولايات المتحدة الأميركية تذهب باتجاه سباق التسلح أولاً.

انطلاقاً من انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى والتي كانت أبرمت عام 1987، تبين عندما وضعت مبرر لانسحابها، أن الروس قد طوروا صاروخ كروز متوسط المدى معتبرين أنه "يخالف هذه المعاهدة"، لكن عملياً الروس فعلوا ذلك رداً على تطوير الأميركيين منظومة دفاع جوي في الظاهر، وضعت في بولونيا، ثم تبين أنها بدأت تتحول إلى صاروخ متوسط المدى، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد سبقت في هذا الموضوع.

عملياً، الولايات المتحدة الأميركية هي التي تسابق، وفي حال رأت أن روسيا والتي هي بحاجة لكي تسابق لأن قدراتها وأمنها القومي يصبح في خطر، نلاحظ أن روسيا عندما تعمد إلى تطوير هذه القدرات لتحقيق توازن معين، يقابل الخطوة الروسية، تقدم ميداني وجغرافي أميركي في المناطق المحيطة بروسيا، كما في شرق أوروبا كبولونيا ورومانيا وفي لتوانيا وفي مناطق أخرى، كما في شمال المحيط الهادي في المناطق القريبة من الصين وروسيا.

نحن نتكلم هنا عن زنار طويل وممتد من القواعد العسكرية الأميركية التي تحيط بروسيا، بينما العكس لا نشاهده أبداً، فلا نشاهد أي قاعدة عسكرية بحرية أو جوية للروس قريبة من الولايات المتحدة، وهذا هو لب الصراع والخوف الروسي.

هنا يبدو الأمر كأنه سباق تسلح آخر، بدل أن يكون هناك تطوير للأسلحة، يعمد الأميركيون إلى الاقتراب أكثر من الأراضي الروسية، وهذه النقطة الحساسة بالنسبة للروس، لذلك يسعون لمحاول تنفيذ مناورة استراتيجية بعيدة في بحور الشمال عبر الغواصات النووية.

وقد يكون هذا الجانب هو الذي يؤمن للروس توازناً معيناً في الملف النووي في أعالي البحار.