الاتفاق النووي الإيراني يواجه تناقضات بعض أطرافه.. أي مصيرٍ ينتظره؟

أسابيع حاسمة لتحديد مصير الاتفاق النووي الإيراني، فيما مواقف الدول المشاركة فيه لا تزال متفاوتة بين الالتزام به كما هو أو تجديد بعض بنوده.

  • الاتفاق النووي الإيراني يواجه مصيره.. ماذا تقول أطرافه؟
    لا تزال مسألة عودة واشنطن إلى خطة العمل الشاملة المشتركة غير محسومة 

أثار الاتفاق النووي الإيراني زوبعة سياسة دولية منذ توقيعه عام 2015، مروراً بانسحاب واشنطن منه عام 2018، وليس انتهاءً بإعلان إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن رغبتها بإعادة تفعيله. 

6 سنوات من عمر الاتفاق الذي تطلب نحو 20 شهراً من المفاوضات انقضت، لكن مصيره اليوم أكثر من أي يوم مضى على المحك، فبعد انسحاب واشنطن وفرضها عقوبات قاسية على طهران، حددت الأخيرة يوم 21 شباط/فبراير موعداً نهائياً لاتخاذ إجراءات رفع العقوبات والحؤول دون طرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة. 

وإلى حين جلاء حقيقة العودة العمل به، هذه أهم المواقف التي عبّر عنها أطراف الاتفاق:     

الولايات المتحدة 

لا تزال مسألة عودة واشنطن إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) غير محسومة الشكل والآلية، فيما يكتنفها عوائق تجعلها "على مسافة بعيدة"، وفق تعبير مديرة الأمن القومي الأميركي أفريل هينز.  

وعلى الرغم من تعهد الرئيس جو بايدن، بالعودة إلى الاتفاق مراراً، خلال حملته الانتخابية، وتكرار وعده برفع العقوبات عن إيران في حال عودة الأخيرة إلى الاتفاق، بعد فوزه، فإن الأمور بدأت تتجه نحو المزيد من التعقيدات مع طرح مسألة إعادة التفاوض بشأن البرنامج النووي وتوسيعه ليشمل أطرافاً وقضايا أخرى. 

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، وفي أول تصريح له حول الاتفاق، سارع لربط الالتزام بالاتفاق بالعمل على التوصل لـ"اتفاق أقوى" يشمل برنامج الصواريخ الباليستية وسياسات طهران "المزعزعة للشرق الأوسط" وفق تعبيره، وهو الأمر الذي طالما أوضحت إيران رفضها للتفاوض بشأنه.

تعلّق الولايات المتحدة عودتها إلى الاتفاق النووي على "وفاء طهران بالتزاماتها" حسب تعبير بلينكن، وتؤكد أن عودتها متوقفة على عودة إيران التي حافظت على التزاماتها رغم الأخطار الكثير التي كادت تدفعها للانسحاب منه كاغتيال الفريق قاسم سليماني، والعقوبات الأميركية التي شملت عشرات الأشخاص والكيانات، ومؤخراً اغتيال العالم محسن فخري زادة

رأى بعض المعلقين في تعيين أحد عرابي الاتفاق النووي في ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما، روبرت مالي، مبعوثاً خاصاً بالشأن الإيراني، تعبيراً عن رغبة بايدن في العودة للاتفاق النووي، لكن هذا التعيين يحتمل تفسيراً آخراً: ماذا لو كان تعيين مالي يهدف لتعزيز الدبلوماسية في التفاوض مع إيران من أجل اتفاق جديد؟

هذه الضبابية الماثلة حتى الآن في موقف واشنطن، دفعت بعض المعلقين للتشكيك في نية واشنطن لتحقيق ما تعهدت به، والتأكيد بأنها لن تتخلى بشكل كامل عن استخدام العقوبات التي فرضتها الإدارة السابقة لدفع إيران لتقديم تنازلات أساسية، خاصةً فيما يتعلق بتوقفها عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، والتخلي عن كامل المخصب في مخزونها من اليورانيوم. 

إيران

ترغب إيران برئاسة الشيخ حسن روحاني، العودة إلى الاتفاق النووي في وقت قريب، ما يسمح بتخفيف آثار العقوبات الأميركية المدمرة على مختلف قطاعات الاقتصاد، بما في ذلك القطاع الصحي، ويؤكد صحة "رهان" روحاني على "الحل الدبلوماسي" مع واشنطن.

الرئيس الإيراني أعلن، في وقت سابق، أن "الطريق مفتوح" أمام الحكومة الأميركية للعودة، وإن "اختارت طريقاً صحيحاً فنحن جاهزون"، وهو الموقف الذي التزم به معظم المسؤولين الإيرانيين بمن في ذلك وزير الخارجية محمد جواد ظريف، الذي اعتبر أن الرئيس الأميركي أمام "فرصة" العودة إلى الصفقة "التي تخلى عنها سلفه، وإذا فعل ذلك "فستعود إيران بالمثل إلى التنفيذ الكامل لالتزاماتها".

لكن الترحيب الإيراني باسترجاع اتفاق عام 2015 تحدّه معارضة كاملة لأي اقترحات داعية لتفاوض جديد أو لعودة واشنطن دون رفع شامل للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة. 

ويتخوّف المسؤولون من احتمال تجنّب إدارة بايدن للوفاء بجميع التزاماتها بالاتفاق -كالإدارات السابقة- ولهذا اقترح رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، إلغاء العقوبات قبل العودة إلى الاتفاق "غير المقدس".

الموقف الأبرز أعلنه السيد علي خامنئي بتأكيد الالتزام بدعم الحلفاء والأصدقاء في المنطقة، ما يقطع الطرق أمام احتمال توسيع بنود الاتفاق لتشمل هذه المسألة، وإشارته إلى أن طهران "ليست مصرّة على عودة أميركا للاتفاق، وإنما مهتمة فقط برفع العقوبات عنها". 

إذاً تعتبر إيران أن مسؤولية إعادة تفعيل العمل بخطة العمل الشاملة المشتركة يتوقف على واشنطن التي سبق وأن انسحبت منه في أيار/مايو 2018، وتبدي استغرابها من الجهات التي تطالبها بتحمل مسؤوليتها تجاه الاتفاق فيما "الكرة في ملعب أميركا".

ودائماً ما تؤكد طهران رفضها لأي مفاوضات جديدة يتم من خلالها فرض بنود مختلفة عن "اتفاق 2015" أو ضم أطراف أخرى للاتفاق، باعتبار أن المشكلة الأساسية من وجهة نظر إيران، هي في "الانسحاب الأميركي والعقوبات المفروضة عليها"، وليست في الاتفاق ذاته.

الصين وروسيا 

 يتفق البلدان المشاركان في التوقيع على الاتفاق النووي في مساندة موقف طهران بالعودة "غير المشروطة" لواشنطن، ويبديان وضوحاً في معارضتهما لانسحاب إدارة ترامب من الاتفاق.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكد اهتمام موسكو "بالحفاظ الكامل على هذه وثيقة الاتفاق الهامة"، وأوضح أن بلاده لديها "موقف مشترك" مع طهران بشأن المحافظة عليها.

كذلك شدد نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة ديميتري بوليانسكي، على أن عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي "متوقفة على قرار تتخذه الإدارة الأميركية الجديدة، والذي يجب ألا يكون مشروطاً".

أما الصين فدعت وزارة خارجيتها إلى عودة واشنطن إلى الاتفاق "من دون شروط مسبَّقة وفي أسرع وقت ممكن"، وذلك بالتزامن مع رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران وعلى الكيانات والأفراد. 

وطرحت وزارة الخارجية الصينية 4 اقتراحات، في هذا الصدد، أولها التمسك بثبات بالاتفاق، وتعزيز العودة المبكرة للولايات المتحدة إليه، وتسوية الخلافات بشكل عادل وموضوعي في أثناء تنفيذ الاتفاق، أما الاقتراح الرابع فيتعلق بالتعاطي بشكل صحيح مع قضايا الأمن الإقليمي.

الترويكا الأوروبية 

بخلاف الوضوح الصيني والروسي بشأن العودة الفورية للاتفاق، صدرت عن الدول الأوروبية الـ3 المشاركة في الاتفاق (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) مواقف تظهر التردد في حسم الخيار تجاه إعادة العمل بالاتفاق أو عدمه.   

لقد ظهرت في الآونة الأخيرة تبدلات في الموقف الذي أعلن عنه مفوّض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، في تموز/يوليو الماضي بقوله إن على الأطراف في الاتفاق النووي "القيام بكل ما هو مطلوب للحفاظ عليه". 

وعلى الرغم من إعراب الاتحاد الأوروبي عن رغبته في التعاون مع واشنطن حول الملف الإيراني، وبدء المبعوث الأميركي الخاص بإيران بالتحدث مع مسؤولين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا لبحث سبل إحياء الاتفاق النووي، فإن تصريحات المسؤولين الأوروبيين تعكس تفاوتاً داخل الصف الأوروبي، وميلاً نحو المطالبة باتفاق جديد بدلاً من الالتزام بالاتفاق الجاري. 

أكثر التصريحات تعبيراً عن التراجع الأوروبي عن التزاماتها، خرج من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تحدث عن "خطأ" استبعاد القوى الإقليمية كالسعودية عن الاتفاق، التي طالب بمشاركتها في الاتفاق الجديد الذي سيكون "متشدداً جداً" تجاه إيران.

أما وزير الخارجية الألماني فسبق أن أعلن، في كانون الأول/ديسمبر، أن "العودة إلى الاتفاق الحالي لن تكفي"، مشيراً إلى أن الاتفاق ينبغي أن يشمل إضافات "لا أسلحة نووية لكن أيضاً لا برنامج صواريخ بالستية يهدد كل المنطقة".

المملكة المتحدة لم تشذ عن موقف شركائها الأوروبيين، إذ سبق ودعا رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى إجراء تغييرات في الاتفاق النووي، فيما ترافق ذلك دعوته طهران للعودة إلى الاتفاق.