طريق بغداد - عمّان بين واشنطن وطهران

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تروّج لمشروع تطوير الطريق السريع بين بغداد وعمّان الذي يعد مثار جدل في العراق اليوم بين من يدعمه ومن يرى فيه محاولة لتكريس نفوذ واشنطن في البلاد خصوصاً وأن الشركة المعنية بهذا المشروع هي شركة أمنية أميركية. وبالرغم مما تشير إليه الصحيفة من أهداف اقتصادية إلا أنه تنقل عن دبلوماسيين أميركيين أن أحد أهداف المشروع الحدّ من نفوذ طهران.

الحديث عن طرق سريعة عدة بين بغداد وعواصم عربية أخرى تديرها شركات أميركية
الحديث عن طرق سريعة عدة بين بغداد وعواصم عربية أخرى تديرها شركات أميركية
كتب تيم أرانغو في "نيويورك تايمز"
يمرّ الطريق السريع بين عمّان وبغداد عبر الأراضي الوعرة في الصحراء العراقية الغربية، بيد أن عبور هذا الطريق في هذه الأيام من قبل أي سائق شاحنة ينطوي على مخاطرة المواجهة مع عصابات المسلحين.

لدى الولايات المتحدة تصور لهذا الطريق في المستقبل على شاكلة طريق نيوجيرسي لجهة الحواجز التي تستوفي أموالاً والمحطات والمقاهي المنتشرة عليه.
الحكومة الأميركية وكجزء من جهودها لتعزيز التنمية الاقتصادية في العراق وضمان نفوذها في البلاد بعد انتهاء الحرب ضدّ داعش، ساعدت في التوصل إلى اتفاق بين العراق وشركة أمنية خاصة هي "اوليف غروب" Olive Group، من أجل تأمين الطريق السريع الأول من نوعه في البلاد.

لكن نظراً لكونه في العراق، فإن المشروع سرعان ما اصطدم بالتعقيدات الجيوسياسية والطائفية وبالتوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران التي تبدو مصممة على تخريب هذا المشروع لكونه يعدّ أحد مظاهر النفوذ الأميركي غير المقبولة عند حدودها.
  
زعماء الميليشيات العراقية المرتبطة بإيران والذين ينظر إلى تصريحاتهم على أنها تعكس وجهات نظر طهران، تعهدوا باستئناف الهجمات ضدّ القوات الأميركية في حال قررت إدارة ترامب الإبقاء على قوات أميركية لتدريب الجيش العراقي وتصعيد عمليات مكافحة الإرهاب، وهو ما يبدو مرجحاً. زعماء الميليشيات هؤلاء انتقدوا على وجه التحديد مشروع الطريق السريع.

أحد أطراف التوتر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي دعم الصفقة وتموضع على مسافة أقرب من الولايات المتحدة في الوقت الذي بدا فيه نفوذ إيران في العراق أكثر بروزاً. 
الزعيم الشيعي المعروف والنائب السابق عزت شهبندر هو الذي يقود اليوم معارضة هذا المشروع. شهبندر قال إن الميليشيات العراقية أكثر قوة من الجيش العراقي معرباً عن اعتقاده أن إيران قد تلجأ إلى إزاحة العبادي من السلطة في حال تنفيذ المشروع، على حدّ قوله.  

بالنسبة للدبلوماسيين الأميركيين في العراق فإن من شأن المشروع تحقيق هدفين. أحدهما تعزيز التنمية الاقتصادية في محافظة الأنبار، المنطقة ذات الغالبية السنية التي شعر مواطنوها بالتهميش من قبل الحكومة المركزية بقيادة شيعية، والتي تنشط فيها ميليشيات إيران. أما الهدف الثاني فهو الحدّ من تأثير إيران التي دق نفوذها المتنامي في العراق ناقوس الخطر لدى حلفاء الولايات المتحدة السنة مثل السعودية وتركيا. 

العبادي منح مشروع تطوير الطريق لـ"أوليف غروب" بالرغم من استمرار العمل على التفاصيل النهائية. ويتضمن المشروع إعادة إصلاح الجسور في غرب الأنبار، تجديد الطريق المعروف بالطريق السريع 1، إنشاء محطات وقود، ومقاهي واستراحات. كما أنه يمكن أن يحتوي على أجهزة تشويش للشبكة الخلوية خلال مرور المواكب.     
في كلمة له مؤخراً، دان العبادي "المافيات" التي تنشط على هذا الطريق، في إشارة إلى "الميليشيات والجماعات المتمردة التي ترهب السائقين وتجبرهم على دفع رشاوى في مقابل السماح لهم بالمرور". وقال العبادي "إن المشروع هو استثماري يتعلق بتأهيل الطريق" مضيفاً أنه "لا الحكومة المركزية ولا الحكومة المحلية ستدفع شيئاً بل سنحقق أرباحاً بدلاً من ذلك".

الاتفاق سيستمر لخمسة وعشرين عاماً لا يحمّل الحكومة العراقية أي أعباء نقدية مقدماً. إذ إنه من الناحية النظرية ستعوّض "اوليف غروب" ملايين الدولارات التي تستثمرها في هذا المشروع من خلال عائدات رسومات الطريق التي سيذهب جزء منها إلى الحكومة العراقية.
وهناك حديث عن إقامة ثلاثة طرق أخرى سريعة في العراق تديرها أيضاً شركات أميركية، وهي على الشكل التالي: طريق سريع بين الحدود السعودية وبغداد مروراً بكربلاء، طريق من مرفأ البصرة إلى بغداد، وطريق يصل بين الحدود السورية والعاصمة العراقية.

وفق منظور وسائل الإعلام العراقية المرتبطة بالميليشيات المدعومة من إيران فإن المشروع بات بمثابة مؤامرة أميركية إسرائيلية لاحتلال البلاد. وذكر أحد التقارير أن الشركة الأمنية الأميركية المعنية تابعة للموساد الإسرائيلي. أحد المسؤولين النافذين استحضر في تصريح له اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم الشرق الأوسط، معتبراً أن الطريق مؤامرة أميركية لتقسيم العراق.  
بعض وسائل الإعلام لعب على مخاوف العراقيين وذكرياتهم المؤلمة مع بلاك ووتر، من خلال مزاعم بأن الشركة الأمنية الخاصة التي نشطت في الأيام الأولى للاحتلال الأميركي للعراق وقتلت عراقيين أبرياء، شريكة في هذا المشروع. نائب رئيس "كونستيلي" الشركة الأم لـ"أوليف غروب" كريستيان رونو قال "إن السياسة في هذه العراق صعبة" معرباً عن أمله أن يرى الشعبان العراق والأردني هذا المشروع على أنه شريان اقتصادي حيوي.
وقال رونو إن طريق بغداد عمان كان في أيام الازدهار والسلم صلة تجارية مهمة مع تنقل ما يقارب 1500 شاحنة يومياً بما كان يدر حوالى مليار دولار شهرياً. لكن في أيام الخطر كتلك التي يعيشها العراقيون منذ سنوات أغلق المعبر الرسمي مع الأردن، لكن مع ذلك استمر سائقو الشاحنات باستخدام الطريق معرضين حياتهم للخطر.

في حين تحررت المدن الرئيسية في محافظة الأنبار، مثل الرمادي والفلوجة من داعش، فإن المناطق الصحراوية المحيطة بها إلى الغرب نحو الأردن وسوريا تبقى مساحات خطيرة وغير خاضعة لسيطرة الحكومة مما يجعل مقاتلي داعش أكثر قدرة على التحرك بحرية.    

من المتوقع أن يؤمن المشروع آلاف الوظائف في مجال البناء والأمن للأنبار لذلك حظى بدعم زعماء القبائل في تلك المنطقة. وقال الشيخ أحمد طه علوان أحد مشايخ الأنباء "نحن مسرورون جداً بهذا المشروع" مشيراً إلى "أن هناك أملاً كبيراً بأن يعود هذا المشروع بفائدة كبيرة على المحافظة أمنياً واقتصادياً".

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً